الرحيل الذي ينقذ الروح


 العدد 03

التاريخ
AL-ATLASI
الأطلسي
صحيفة

الأطلسي

نصف شهرية

منبر للأدب والفكر والثقافة والإبداع

تعنى بنشر الإبداع الأدبي والفكري من مقالات وقصص وقصائد ونصوص متنوعة، لكتاب من مختلف أنحاء العالم العربي.

مقال رأي

الرحيل الذي ينقذ الروح...

عندما يكون الفراق أسمى درجات التوبة

الدكتورة شيماء الشافعي
بقلم الكاتبة الصحفية الدكتورة
شيماء الشافعي
كاتبة وباحثة

في رحلة الحياة نلتقي بأرواحٍ نظنها المرفأ ونمنحها من أوقاتنا وسلامنا ما لا يُسترد.

لكننا غفَلنا عن حقيقة كبرى وهي ان ليس كل من يطرق باب قلوبنا جديراً بالبقاء وليس كل حضوره في حياتنا نعمة.

ثمة علاقات لا ينفع معها الترقيع ولا يليق بها إلا توبةٌ نصوح وهجرٌ جميل.

ليست كل خسارة تقع في مدينتك تستحق أن تُبكى فبعض الرحيل إنقاذٌ لما تبقى منك.

هناك أرواحٌ ندخل إلى عوالمها كالنسمة الرقيقة فنخرج منها محَمّلين بأثقال القلق.

تقترب منها ومداك مفعم بالأمل فإذا بك مع الأيام تُساق إلى مِقصلة التنازلات وتعتذر عن ذنوبٍ لم تقترفها يوماً.

فأخطر العلاقات تلك التي لا تكسر قلبك بضربةٍ واحدة بل تستنزف روحك قَطرةً قطرة حتى تستيقظ ذات صباح فلا تتعرّف على الوجه الذي يشخص في المرآة.

لهذا ليس كل رابطٍ يستحق أن تُقاتل لتستبقيه.

وكما يمرض الجسد حين يُصِرّ صاحبه على تجرّع السموم تذبل الروح حين تُكرهها على المكوث في بيئةٍ تجرف سلامها.

تأمل معي هذين المشهدين..

الأول..إنسانٌ يمارس الاعتياد مع صحبةٍ لا تقتات إلا على الغيبة والسخرية وتهميش الآخرين.

في مستهل أمره يرفض أسلوبهم ثم يبتسم مجاملة ثم يجاريهم الحديث وبعد فترة يكتشف أن هذة الألفاظ التي أصبحت تتردد على لسانه تلقائياً ليس لفسادٍ في أصله بل لأن الأرواح تُمشيها مجالسها.

الثاني..فتاةٌ كانت تشعّ حياة تعرف قدر نفسها وتزرع الابتسامة أينما حلت حتى تلج علاقةً لا تجد فيها إلا النقد الجارح والتقليل المستمر والتشكيك في قيمتها.

شيئاً فشيئاً لم تعد تخشى فقدان الشخص بل أصبحت تهاب مواجهة نفسها.

لقد سُرق منها يقينها بذاتها قبل أن تُسرق ابتسامتها وهذا هو أعتى صور الخسارة.

فالمرء لا يخسر حقاً حين يغادره الآخرون بل يخسر حين يغادر هو نفسه وهو ما يزال قابعاً بجوارهم.

إن القرب ليس مجرد محاذاة في المكان بل هو نُقلةٌ سرية للأفكار والعادات والمشاعر

ومن هنا فإن نأيك بنفسك عن علاقةٍ تُفسد قلبك أو توهن إيمانك أو تُسقط احترامك لذاتك ليس قسوةً ولا جفاءً بل هو محض الرحمة.

ربما كان هذا الفراق أسمى صور التوبة

فالتوبة ليست مقصورةً على كفّ يدك عن خطيئة بل تكون أحياناً بكفّ قدميك عن طريقٍ خاطئ وبالإعراض عن مجلسٍ أطفأ نور بصيرتك وبالعزوف عن علاقةٍ كانت تُباعد بينك وبين الله بقدر ما تُبعدك عن الحياة.

فلا تجعل قلبك سبيلاً مُباحاً لكل عابر ولا تجعل وفاءك مقصلةً تُذبح عليها كرامتك أو يُخنق بها ضياء روحك.

فما خلقك الله لتكون أسيراً لعلاقةٍ تسلبك طمأنينتك ولا لتُضحي بقلبك حتى يتلاشى.

ارحل بهدوء وادعُ لمن آذاك بالهداية وأغلق الباب وراءك بلا ضجيج ولا انتقام فبعض النهايات هي في حقيقتها ميلاد نجاة.

إن أجمل توبةٍ يطرق بها العبد باب ربه أن يعود إلى الله ثم يعود إلى نفسه فلا يسمح لكائنٍ من كان أن يسلب منه قلباً أراد الله له أن يبقَ نقياً طاهراً.

وتذكّر دائماً ان ليس كل من خرج من حياتك كان خروجه عقوبة وليس كل من بقى فيها كان وجوده نعمة.

المقياس الثابت والوحيد لكل مَن تحيط بهم هو هل يقرّبونك من الله ويصلحون سريرتك ويزيدونك سلاماً؟

أم يبعدونك عن ذاتك ويستنزفونك ويطفئون شعلة روحك؟

عندها فقط ستوقن أن بعض الأبواب لا يُغلقها الله في وجهك إلا رحمةً بك وأن أعظم انتصارٍ تحققـه في حياتك هو أن تملك الشجاعة لتعرف متى تُغادر.

f
𝕏
@AlAtlasi
@AlAtlasi
جميع الحقوق محفوظة © 2025 - صحيفة الأطلسي - 

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

الخب الجارف والصوفية في عزيزة المبارك /,سوريا قصيدة ( من انت ) ل نور مشرق الممتحن بقلم